وسيط إعلامي حيوي

 
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)

بقلـم خالد دياب

رغم أن ساحة الحرب الإعلامية الإسرائيلية الفلسطينية تشوبها المرارة وهي متحصنة جيداً، إلا أن على الصحفيين مسؤولية المغامرة في الأرض الحرام بين الجانبين، حتى لو عنى ذلك الوقوع في خط مرمى النار.

يُعتبر النزاع الإسرائيلي الفلسطيني واحداً من أطول النزاعات وأكثرها مرارة في العالم. وقد أدت الحدّة والاستقطاب المتعلقان بالنزاع إلى تحويل الإعلام نفسه إلى ساحة معركة حقيقية. الواقع أن موضوع الانحياز نفسه أصبح مسرحاً لنفسه في حروب الإعلام، يتهم فيه معسكر الإعلام بإتباع توجه معادِ لإسرائيل، بينما يتخذ المعسكر الآخر تحيزاً معادٍ للفلسطينيين. أصبح تبادل النار حول هذه القضية ملتهباً بشكل خاص أثناء حرب غزة.

يمكن حتى للصحفي المتزن ذو النوايا الحسنة أن يقع في وسط تبادل إطلاق النار. بغض النظر، من الحاسم أن يتخلى المزيد من الصحفيين، وخاصة الإسرائيليين والفلسطينيين عن ثنائية “نحن وهم” الضيقة والسعي للوصول إلى خط عادل لكلا الطرفين.

وفي الوقت الذي يجب فيه عدم المبالغة بقوة الإعلام، إلا أن له احتمالات إما إذكاء نار النزاع من خلال تجذير الصور النمطية السلبية والتأكيد عليها، أو إطالة العداء وقرع طبول الحرب، أو دفع عجلة السلام من خلال تحدي رؤى الشعوب وتغييرها عبر البناء والتفهّم وإصلاح ذات البين.

ما الذي يستطيع الإعلام عمله إذن حتى يصبح بنّاءاً أكثر؟

يتوجب على الإعلام أن يُبرِز الأمور الإيجابية لا أن يركز فقط على السلبيات. يبدو في الإعلام الغربي أحياناً أن الشرق الأوسط لا يُنتِج إلا العنف. نعلم جميعاً أن العنف يصنع العناوين، ولكن يجب أن يُعطى اللاعنف وجهود السلام على مستوى الجذور تغطية بارزة. يحتاج الإعلام الفلسطيني والعربي والإسرائيلي لأن يكرس المزيد من التغطية للقصص الإيجابية من الطرف الآخر، لا أن يشاهد الآخر من خلال منشور النزاع. يحتاج هذا الإعلام كذلك لأن يكرّس مساحة أوسع لبناء تفهّم أعمق للتركيبة الثقافية والاجتماعية للجانب الآخر.

يجب أن يكون الإعلام قناتاً للتوجهات الإبداعية والجديدة للنزاع، وكذلك معبراً للحوار. تلعب المنتديات على الإنترنت ومواقع التشبيك الاجتماعي دوراً حاسماً في هذا المجال من خلال تمكين العرب والإسرائيليين من عبور الفجوات الجغرافية والسياسية التي تفصلها والتواصل بشكل مباشر.

يمكن لكتّاب الرأي والأعمدة كذلك ممارسة تأثير هام. تعبّر كتابة العمود عن رأي، والرأي من حيث المبدأ غير موضوعي. إلا أنه إذا تم جمع اللاموضوعية مع التوازن فقد تكون مفيدة إلى درجة بعيدة.

أحاول شخصياً أن أستخدم العمود الذي أكتبه في الغارديان كمنبر لإضفاء الإنسانية على جانبي النزاع، وتأييد القيم المتّسقة عند الحكم على التصرفات، وتحدي وجهات النظر والتفكير خارج الصندوق وعكس الواقع الإنساني والاجتماعي والثقافي للشعبين حتى يتسنى إعطاء مساحة لهؤلاء الذين يجرأون على تخطّي “خطوط العدو”. تعاملت في سلسلة من المقالات، وجهاً لوجه، مع الصور النمطية والرؤى الخاطئة التي يملكها العرب والإسرائيليون حيال بعضهم بعضاً. كذلكك عَمِلت على استكشاف سبل جديدة بديلة للسلام، مثل اللاعنف وحركة الحقوق المدنية.

من ناحية أكثر ابتكارية وإبداعاً، كتبت مرة عموداً تخيلت فيه مستقبلاً وهمياً سلمياً في العام 2048، الأمر الذي أدّى بأحد القراء للإشارة إلى مسابقة لكتابة المقال (برعاية منظمة “صوت واحد” نشرتها خدمة Common Ground الإخبارية) تخيّل فيها أطفال فلسطينيون وإسرائيليون مستقبل كل منهم السلمي. وقد تأثّرت فيّ رؤاهم بالمستقبل لدرجة أنني استخدمت عموداً آخر لحث الراشدين على “ترك الأطفال يستحوذون على العملية السلمية والإتيان إليها بإدراك الطفولة وكفاءتها”.

تعرض توجهي للهجوم من كل من أنصار الإسرائيليين والفلسطينيين، كردّة فعل أحياناً لنفس النص. ورغم العداء المتأصّل المعمّق، يعطي هذا التوجه ثماره. مما يثلج الصدر رؤية أن بالإمكان التوصل إلى أرضية مشتركة. وكما أشار أحد القراء: “تنفث الطروحات التاريخية من طرف واحد السموم، وأنت تُحسِن صنعاً إذا حاولت الوصول إلى طرح متّحد من الجانبين”. وكتب آخر: “أشكرك على هذا المقال المشجّع الذي يمكنه بشكل إيجابي أن يتحدى وجهات نظر كل إنسان حول هذا النزاع.”

أفاجأ أحياناً من مستوى نضوج الحوار الذي يتطور بين قراء مقالاتي. من المدهش فعلاً رؤية كم يمكن لأصوات “الغالبية الصامتة” أن تكون بنّاءة عند اشتمالها في الجدل الدائر. لهذا السبب يُعتبر الإعلام الأكثر توازناً أساسياً إذا أردنا أن نرى نتيجة إيجابية لهذا النزاع.

مصدر المقال: خدمة Common Ground الإخبارية، 13 نيسان/إبريل 2009

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)

Related posts