دول الهذيان

 
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)

بقلـم خالد دياب

يمثل صعود حماس والليكود ويسرائيل بيتنا إلى السلطة تصلّباً مخيفاً للرؤى الوطنية لا يبشر بالخير للمستقبل. بدلاً من أن تستحوذ عليهم كيفيّة تصادم هوياتهم، يحتاج الإسرائيليون والفلسطينيون لأن يركزوا المزيد من الاهتمام على النواحي التي تتداخل حياتهم عبرها.

2 September 2009

EN version
يشترك هؤلاء المتطرفين الإسرائيليين والفلسطينيين، رغم كراهيتهم وعدوانيتهم المتبادلة في أمر واحد، هو أن رؤيتهم السياسية للمستقبل لا تحتوي على مساحة للطرف الآخر، إلا كشعب مهزوم مسيطَر عليه.

إلا أنه وتحت ضغط هائل من طرف الولايات المتحدة، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي المتصلب بنيامين نتنياهو عن قناعاته الشخصية وبرنامج حزبه الليكود الانتخابي وقَبِل للمرة الأولى على مضض وبشروط، ظهور دولة فلسطينية مستقلة في نهاية المطاف.

وبالمثل، وعلى الطرف الآخر من الفجوة الفاصلة، يرفض ميثاق حماس كذلك وجود دولة يهودية، إلا أن الحركة الإسلامية المتطرفة قامت بتعديل موقفها الرافض منذ قدومها إلى السلطة من خلال تقديم اعتراف ضمني بإسرائيل وهدنة تستمر لمدة عشر سنوات إذا انسحبت إلى حدود ما قبل عام 1967.

غنيّ عن القول أن الموقفين ما زالا غير مقبولين من قبل الطرف الآخر. ولكن رغم ذلك يبدو السلام المرتكز على دولتين مستقلتين قد توقف عند مرحلة المفهوم، حيث الخلاف الرئيسي هو أنه قد تم تحقيق بعض التقدم الحقيقي على الأرض خلال سنوات أوسلو.

لماذا إذن يبدو أن حل الدولتين، رغم كونه العرض الدبلوماسي الوحيد المطروح في الساحة منذ حوالي العقدين من الزمان، لم يتمكن من تحقيق القفزة من المفهوم إلى الواقع؟

يشكل الفرق الهائل في القوة بين الطرفين جزءاً من المشكلة. ومن المعوقات الأخرى كذلك المنظور المشوب بالعقيدة. تتجذر العديد من الاتجاهات داخل القومية الفلسطينية والصهيونية، من حيث الجوهر، في المطالبة بكامل أراضي فلسطين تحت الانتداب البريطاني، ويُنظر إلى التنازلات في جو كهذا ليس كمحاولات براغماتية للتعايش وإنما كأعمال خيانة من أعلى المستويات.

دافع بعض أعضاء منظمة التحرير الفلسطينية في سبعينات القرن الماضي، مثل سعيد حمامي ممثل المنظمة في لندن عن خيار الدولتين ودفعوا حياتهم ثمناً لذلك. في هذه الأثناء، جرى نبذ نظرائهم الإسرائيليين، مثل داعية السلام والصحفي يوري أفنيري وإضفاء الشيطانية عليهم. وخلال سنوات أوسلو دفع يتسحاق رابين كذلك، رغم أنه وطئ طريقاً حذراً وبطيئاً أفشل العملية السلمية، دفع ثمن “خيانته” بحياته. وصف ألبرت أينشتاين الوطنية مرة بأنها “حَصبة الجنس البشري”. وفي مضمون النزاع العربي الإسرائيلي، أخاطر بأن أشبهّها بنظام مناعة تطور أصلاً للدفاع عن الظلم والضعف، ولكنه نما عبر السنين ليصبح سرطاناً يأكل إنسانية كل من له علاقة.

بدأت القوميتان العربية واليهودية، مثل نماذج القرن التاسع عشر اللتين ارتكزتا عليها، كحملات لتقرير المصير. إلا أن الدواء الذي سعى للشفاء من الظلم والتغلب على الضعف تحول بسرعة إلى مسبب للهذيان والإدمان أدى بالذين يسيئون استخدامه إلى أبعد الحدود في هذه الرحلة بحيث أصبحوا منفصلين تقريباً عن الحقيقة. أفاق العديد من الناس على الآثار الجانبية الرهيبة لعقار الوطنية ولكنهم يخافون من عوارض الابتعاد عنه بحيث لا يستطيعون ترك العقار وعادته الخبيثة ليسمحوا لأنفسهم بأن يتم إغراؤهم للعودة إلى وكر الأفيون من قبل وسطاء يتمتعون بشعبية مثل أفيغادور ليبرمان أو خالد مشعل.

يصعب بوجود الليكود ويسرائيل بيتنا وحماس، الذين يضعون الشروط أن تتخيل أنه كان هناك وقت كانت فيه الهويّات أكثر سلاسة، عندما كان تعبير “فلسطيني” يضم اليهود كذلك، وعندما كان يهود الشرق الأوسط يعرّفون عن أنفسهم علناً وكان يُنظر إليهم كعرب، بينما كان بعض اليهود الأوروبيين، بمن فيهم بنيامين ديسرائيلي رئيس الوزراء البريطاني الوحيد من أصول يهودية، يحتفظون بمفهوم رومانسي بكونهم “عرب مختلطون” كلوحة مركبة.

ولكن بعد شهر من النزاع تصلّبت وجهات النظر وضاقت الهويات لدرجة أن مجرد الاقتراح بأن بين الإسرائيليين والعرب شيء مشترك يعتبر إهانة بشكل واسع.

ولكن إذا ما أريد لهذا النزاع أن يُحَل يتوجب علينا أن نغزو هذه الأرضية المشتركة وأن نحتلها ونجعلها ملكنا. تعتبر احتمالات تقسيم الأرض، بالنسبة للطرفين، إلى دولتين منفصلتين أمراً مؤلماً لأنها تحرمهم سبل الوصول إلى مناطق ذات قيمة رمزية وعاطفية عظيمة. سوف يجنّب الاعتراف بأن الإسرائيليين والفلسطينيين يعيشون فعلياً معاً في دولة واحدة ويسعون لجعل تلك الدولة أكثر عدلاً تخدم جميع سكانها، هذا التقسيم المؤلم.

نحن بحاجة لدولة كونفدرالية ثنائية القومية مكونة من وحدتين مستقلتين علمانيتين إسرائيلية وفلسطينية، تستطيع كل منهما الحفاظ على الأطر الثقافية للدولة مثل العَلَم والنشيد الوطني. سوف تضمن حرية الحركة داخل هذا الاتحاد الفيدرالي وصول الإسرائيليين والفلسطينيين إلى جميع الأماكن التي يعتبرونها مقدسة وعزيزة، مثل القدس والخليل ويافا. يمكن ضمن هذا السيناريو إعادة توجيه الطاقات التي يتم حالياً استهلاكها في النزاع نحو إيجاد الازدهار للجميع.

يستطيع المرء من خلال إدراك أن الإسرائيليين والفلسطينيين يملكون حصصاً متساوية في وطن مشترك أن يستغني عن الشروط المألوفة التي لا يمكن المساومة عليها حول من يملك العقد التاريخي للأرض، والاحتلال والمقاومة والإرهاب والرد عليه، وقايين وهابيل وديفيد وغوليات.

This column first appeared in the Jerusalem Post on 26 August 2009. It was written as part of a special series on nationalism for the Common Ground News Service.

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0.0/10 (0 votes cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)